ابن خلكان
317
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فقال لي المبرد خلّ قومي * فقومي معشر فيهم نذاله فقلت : أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل يقولها فيه ؛ قال : كذب من ادعاها غيره ، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت بهذا الشعر نسبا له . قلت : أنت أعلم ، قال : يا هذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي وتمكنت من إنصاتك من استحساني ، وقد أخرت ما كان يجب أن أقدمه ، الكنية أصلحك اللّه ، فقلت : أبو العباس ، قال : فالاسم ؟ قلت : محمد ، قال : فالأب ؟ قلت : يزيد ، قال : قبّحك اللّه ، أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره ؛ ثم وثب باسطا كفه لمصافحتي ، فرأيت القيد في رجله قد شدّ إلى خشبة في الأرض ، فأمنت عند ذلك غائلته ، فقال لي : يا أبا العباس ، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع فليس يتهيأ لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على مثل هذه الحال الجميلة ، أنت المبرد أنت المبرد أنت المبرد ، وجعل يصفق وقد انقلبت عينه وتغيرت حليته ، فبادرت مسرعا خوفا من أن يبدر لي منه شيء [ أو ] بادرة ، وقبلت واللّه قوله فلم أعاود الدخول إلى محبس ولا غيره . وقال أبو العباس المبرد : ما تنادر أحد [ عليّ ] ما تنادر به سذاب الوراق ، فإني اجتزت يوما به وهو قاعد بباب داره ، فقال لي : إلى أين ؟ ولاطفني وعرض عليّ القرى ، فقلت له : ما عندك ؟ فقال : عندي أنت وعليه أنا ، يشير إلى اللحم المبرّد بالسذاب . وذكر أن رجلا عاد المبرد بالبصرة مع جماعة ، فغنت جارية من وراء ستارة : وقالوا لها هذا حبيبك معرض * فقالت ألا إعراضه أيسر الخطب فما هي إلا نظرة بتبسم * فتصطك رجلاه ويسقط للجنب فطرب كلّ من حضر إلا المبرد ، فقال له صاحب المجلس : كنت أحق بالطرب ، فقالت الجارية : دعه يا مولاي ، فإنه سمعني أقول هذا حبيبك معرض فظنني لحنت ولم يعلم أن ابن مسعود قرأ وهذا بعلي شيخ ( هود : 72 ) قال : فطرب المبرد من قولها إلى أن شق ثوبه ] « 1 » .
--> ( 1 ) ما بين معقفين زيادة من ق .